إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

467

الإعتصام

ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار » الآية أي للذين اتقوا استقر استقر لهم عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار - الآية فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه وهذا التقرير على قول جماعة من المفسرين وقال تعالى « مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار » الآية فقوله مثل الجنة يقتضى المثل لا الممثل - كما قال تعالى « مثلهم كمثل الذي استوقد نارا » - ولأنه كلما كان المقصود الممثل جاء به بعينه ويمكن أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفرق أن فيها فرقة ناجية - كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة لأن التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل فلو سألوا ما وصفها أو ما عملها أو ما أشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى فلما فهم عليه الصلاة والسلام منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك ونقول لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم أتى به جوابا عن سؤالهم حرصا منه عليه الصلاة والسلام على تعليمهم ما ينبغي لهم تعلمه والسؤال عنه ويمكن أن يقال إن ما سألوا عنه لا يتعين إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر إذ كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير ومن شأن هذا السؤال التعيين وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضى التعيين وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم وهو بالنسبة إلى السائل معين لأن أعمالهم كانت للحاضرين معهم رأى عين فلم يحتج إلى أكثر من ذلك لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر فأما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم فليس مثلهم ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود والله أعلم انتهى .